فلسطين
رنوة من لبنان إلى غزة
قابلت رنوة يحيى أول ما كان على الشاطئ في سيناء. لفت نظرها كتاب أقرأه يحكي سيرة "كمال جنبلاط: الرجل والأسطورة"، من منشورات دار النهار. شرحت لها كيف أنني مضروب بلبنان وتاريخه المعاصر، وأخذت أحكي عن هروبي إلى هناك لثلاثة أيام من أجل حفل لروجر ووترز (موسيقاه وبنك فلويد من أفضل ما أفقه فيه في هذه الدنيا)، ولكن أيضا لأسير في الشوف صعودا من الساحل وحتى دير القمر وبيت الدين، وعن لعبة ألعبها في كل مدينة جديدة: اشتريت خريطة لبيروت، وقدمت من صيدا إلى الكولة، ثم تهت عمدا كي أصل إلى المتحف الوطني عن طريق الحمراء:
"من فضلك، كيف أصل إلى كورنيش بيير الجميل؟"
"دعني أرى. أنا وصلت هنا البارحة، لكنك إذا سرت في هذا الشارع حتى ميدان العدلية، وانحرفت يسارا عنده، تجد كورنيش الجميل"
"يسلموا"
المتحف نفسه دفعني إلى أن أسميه "المتحف المصري في بيروت"، فمعظم المعروض إما مصري جاء بالتجارة، أو كنعاني متأثر بالمصرية. في مكتب صديق لي سألني المدير عن رأيي في لبنان، ودعا أن يسامحني الله عندما أجبت أنها جميلة، وجديدة. نصف بنايات بيروت إما جديدة بناها الحريري بالديون، وإما تعود لعقود، أو نصفها الذي بقي من الحرب بعد أن احتمل الصواريخ.
شادي المرعشلي صديقي سني، ومديره ماروني، والآخرين في الفريق واحد شيعي والأخرى على مذهب الروم الأرثودوكس. يغتاظ حسين من المدير ويلوح بقبضة يده "راح نعلنها دولة إسلامية"، ليناوله ذاك بالكرسي الذي يجلس عليه، بينما تقنع الآنسة العميل على الهاتف أنه "بكس أختك الطرد في الطريق"، ويقتنع.
المزاح طائفي، إلا أنني استطعت أن أرى الحرب دائرة بهدوء وأدب في كل مكان، كما رأيتها أمامي من نافذة المكتب التي تطل على أرض خراب كانت مسرحا للحرب في سن الفيل.
انتقل حديثي مع رنوة من جنبلاط إلى الدروز، فزياد رحباني، ثم شرحت لي أنها قد تكون لبنانية شيعية من الجنوب، إلا أنها لا تقدر أن تصف نفسها إلا بالعربية أساسا. هي صحافية تكتب بشكل قريب إلي. بينما لم أتمكن أنا من العبور، تحكي رنوة في مقال لها في صحيفة الحياة عن زيارتها الأخيرة إلى غزة. كنت أفكر بعد انسحاب الجيش من غزة أن الزيارة واجبة، والتجارة مع العريش أوجب ليختفي الشيقل. حدثني عن الأمن القومي المصري.
ابدأي مدونة يا رنوة، وانشري فيها ما لا تأخذه الصحف.
غربستان
استيقظنا ثلاثتنا باكرا في العريش بنية أن نكون في غزة ظهر اليوم على الأكثر: مسئول حملة الطاقة المسالمة في جرينبيس العالمية: أيرلندي غجري من يوركشير جاب القارات كلها على سفن جرينبيس لعشرين عاما، ومدير جرينبيس المتوسط: تركي أسترالي علوي بكتاشي، وأنا. الغرض من الزيارة هو تأسيس علاقات مع المجتمع المدني الغزاوي والسلطة الفلسطينية هناك. الزيارة لم تتم، والصور لم نتمكن من التقاط الكثير منها، كما لم أتمكن من الحديث مع الناس كيف رغبت.
أخبرتنا الشرطة المصرية صباح ذلك اليوم بأنها لن تتركنا نتحرك من الفندق إلا في صحبة سيارة تأمين، ولا حتى إلى محطة الوقود أو إلى مقهى إنترنت في وسط المدينة، وأن ذلك لحمايتنا، بما أننا لا نرغب في أن نخبرهم غير أننا ذاهبون في ما سمته الشرطة "جولة حرة في المدينة". حسنا، وجهتنا رفح إذا. اصطحبنا رائد ومعاونيه إلى الحدود في رفح. تخضر الأرض فجأة في قرية الخروبة وما يليها شرقا، وتصبح ملابس النساء أكثر ألوانا، ويلازم ذلك ازدياد في عدد الأعلام المصرية. لا يستطيع المرء أن يحدد أين تنتهي سيناء وأين تبدأ غزة.
بينما كان سولانا في غزة يحكي عن إجراءات عبور معبر غزة، وكيف أنها أصبحت تأخذ ساعة أو ساعة ونصف على الأكثر بعد الانسحاب الإسرائيلي، جلست أنا وزملائي على مقهى الحدود المصرية مع طبيب من غزة. الرجل زوجته أوكرانية، وصار له ثلاثة أسابيع يحاول العودة بها إلى الداخل، إلا أن الاتحاد الأوربي الذي يدير المعبر طبقا للاتفاق الجديد يرفض. لا يسمح الاتفاق إلا بمرور الفلسطينيين حاملي هوايا السلطة وجوازات سفرها، بينما تعيش في العريش ستة وعشرين عائلة فلسطينية لا يسمح لها بالدخول بوثائق سفرها المصرية. المهجرون لا مكان لهم ولا حق في العودة إلى الآن.
إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة لحاملي جوازات سفر السلطة. رأيت شيخا ملتحيا يتظاهر بالحديث في هاتفه بينما يعيد جواز سفره إلى أمين الشرطة المصري الواقف على الباب الخارجي، لعل رزمة النقود التي دسها في الأوراق هذه المرة تفلح. لا بد أن المبلغ أقل من ألفي دولار، فهذا هو سعر العبور بلا أوراق على الإطلاق: ألف على هذه الناحية، وألف على الناحية الأخرى خلف الأسلاك الشائكة.
بعد كل هذا، لا تزال نساء غزة تجدن ضرورة في العبور محملات بحقائب البضائع التي تمتلئ في معظمها بالملابس جاهزة، بينما ترتدين معطفا أو اثنين لتبعن كل ذلك على الرصيف خارج المعبر مباشرة. ينتظر النساء بحماس شديد صبية يحملون قوائم بأسماء النساء العابرات، وعدد الحقائب اللاتي يحملنها، فتسلمهن النساء البضائع، وتحملن لصبية آخرين ينتظرون على الجانب الآخر ما ينقص غزة من ألبان مجففة وسلع أخرى.
ما لم يعلنه الاتفاق هو أن السلطة الفسطينية ليست صاحبة القرار في من يعبر إلى الداخل من غير الفلسطينيين، فإسرائيل توافق أو ترفض مرور كل أجنبي. فبينما سمح لنرويجيين وأردنين بالمرور قبل وصولنا بأيام، وأربعة ألمان أول أيام انتظارنا، لم يسمح لنا بالمرور لعدم اكتمال إجراءات "التنسيق" غير المعلنة.
قد نحاول ثانية في غضون شهرين.
الأرشمندريت عطا الله حنا
الأرشمندريت الأب الدكتور عطا الله حنا
عربي من الجليل. ولد عام 1965. درس اللاهوت في جامعة تسالونيكي في اليونان، وعاد كاهنا في كنيسة القيامة، ثم رسم أرشمندريت وناطقا رسميا باسم الكنيسة الأرثوذكسية في القدس والأراضي المقدسة، وهو أيضا أمين سر المجلس المختلط الإكليريكي العلماني لبطركية الروم الأرثوذكس بالقدس.
درس التربية الدينية المسيحية في مدرسة مارمتري في القدس، والمدرسة الأرثوذكسية في الرملة، وفي الكلية العربية للتربية في حيفا، ثم كأستاذ لتاريخ الكنسية والحضارة العربية والتربية. أسس حركات للشبيبة، ووضع منهجا مدرسيا موحدا للمسيحية، وألف ونشر، وأشرف على إذاعة، وعمل على التقريب بين الكنائس، وبين المسيحيين والمسلمين في الشرق. شارك في لجنة القدس، وفي المؤتمر الإسلامي. سافر وتحدث عن ظلم إسرائيل.
اعتقلوه في مركز تحقيق المسكوبيه--الاسم الذي أطلقه المقدسيون على طلائع القادمين من موسكو، فأهم صفاتهم أنهم روس، وليس أنهم يهود--في 22 أغسطس 2002 بعد أن أيد المقاومة الفلسطينية بكل صورها، وهو أول رجل دين مسيحي يؤخذ من أمام كنيسته، وهو إلى اليوم ممنوع من مغادرة القدس.
عن طريق يوناني آخر محكوم عليه بالحبس 25 عاما للتزوير وترويج المخدرات--واليونانيون أغلبية على قمة الكنسية التي رعاياها معظمهم من العرب--باع رأس الكنيسة البطريرك إيرينيوس الأول أوقافا مسيحية في القدس القديمة ليهود. وصف الأب عطا الله حنا البطريرك "بالعميل"، وقال إن التمرد عليه "واجب مسيحي". تمتلك الكنيسة الأرثوذكسية 18% من القدس الشرقية، و17% من الغربية، 3% من اللد، ويافا، وحيفا، والناصرة.
اليوم عزلت الكنيسة الأرثوذكسية البطريرك كيريوس كيريوس إيرينيوس الأول: "إننا لن نكتفي بعزله، وإنما سنتخذ كل الإجراءات لمحاسبته وإعادة ما تم التفريط به".



















أحدث التعليقات
منذ ساعتين 52 دقيقة
منذ أسبوع واحد يوم واحد
منذ أسبوع واحد يوم واحد
منذ أسبوع واحد يومين
منذ أسبوع واحد يومين
منذ أسبوع واحد يومين
منذ أسبوع واحد يومين
منذ أسبوع واحد يومين
منذ أسبوع واحد 3 أيام
منذ أسبوع واحد 3 أيام