كفاية
كيف ثار عشرة ملايين مواطن؟
لا أحد يدري تماما. يبدو أن أحد العاملين في شركة المحمول أرسل رسالة واحدة إلى جميع المشتركين: "كروت شحن مجانية قدام كل أقسام الشرطة في مصر".
القبض على متظاهرين وسط القاهرة
الأنباء لا زالت ترد من النشطاء الواقفين في مجموعات يفصلها الأمن أمام حزب التجمع. فرق الأمن مظاهرة كفاية المعلنة في ميدان التحرير تماما، و قبض على النشطاء التالية أسمائهم:
أحمد إسلام
أحمد الجندي
أحمد عبد الجواد
إسلام
بلال
بهاء صابر
خالد عبد الحميد
رامي توفيق
صلاح الوتيدي
فتحي فريد
عبد الخالق فاروق
علي عبد الحميد
عماد صابر
ليلى عبد الحميد
محسن سميكة
محمد اسماعيل -- صحافي
محمد بدر
محمد طاهر
محمد عادل
محمد عبد السلام
محمد فتحي
محمد عبد السلام
محمد مالك
محمود الورداني
مصطفى
مصطفى سيد اسماعيل
نائل يحيى
وليد صلاح
هم الآن في الإدارة العامة لأمن القاهرة بالدراسة. أقوال عن اعتصام المتظاهرين حتى الإفراج عن المقبوض عليهم.
أحمد شريف و فنه الهادف
بعد صوت محمود توفيق، و رسم فتحي أبو العز، الآن فيديو و موسيقى أحمد شريف. أنا لا أعرف أحمد، لكن إنتاجه رائع. طريقة جيدة أخرى لإيصال الرسالة.
"لازم كمان يبقى في تخريب!"
ذكرتني تدوينات مالك الفوضوية الأخيرة بما جرى صباح الجمعة التي سبقت اعتقاله. ركبت سيارة أجرة من شارع 26 يوليو في الزمالك باتجاه السيدة عائشة. السائق يبدو في سبعيناته، أسمر نحيف الوجه؛ يرتدي نظارة غامقة ثبت ذراعها المكسور في جسمها بشريط لاصق، وملابسه بسيطة خالية من الألوان كعادة معظم المصريين. نجلس أنا وهو صامتين في بولاق، وشارع الجلاء، وشارع رمسيس، إلى أن ننحرف في شارع عبد الخالق ثروت.
بينما نمر من أمام الاعتصام، يبدأ الرجل يحكي عنه، وعن استقلال القضاء، والبسطاويسي، ومكي. ويستطرد في التفاصيل حتى ميدان مصطفى كامل، وميدان الاوبرا، وكوبري الأزهر. أبدي اهتماما متوسطا ولا أقاطعه رغبة في المزيد.
في شارع الأزهر أشير إلى سيارات الأمن المركزي، وأسأله:
"طيب ودول؟"
"دول بقى علشان مجدي أحمد حسين وحزب العمل الإسلامي. أصلهم بيصلوا في الأزهر دا الوقت، ولما بيعملوا بروبلم، الحكومة بتعمل لهم بروبلم أكبر منها."
يسكت قليلا ويبدوا شاردا. نحن الآن في شارع صلاح سالم عند مدخل باب الوزير. أخبره أنني أعرف، وأنني أبيت في الاعتصام. تلتمع عيناه من تحت العدسات الغامقة، وينظر إلي تاركا الطريق:
"كفاية دي حركة مقاومة سلمية. ماشي. بس عارف؟ لازم كمان يبقى في تخريب! الجو اليومين دول عامل زي اثنين وخمسين. تسمع عن حريق القاهرة؟"
"أيوة"، أجيبه في ميدان السيدة عائشة بينما أخرج النقود من حقيبتي.
"عارف عمر أفندي ال في التحرير على ناصية سليمان باشا؟"
"أيوة عارفة". أناوله النقود.
ينظر في النقود، ثم يرفع رأسه تجاهي وعيناه لا تزالان تبرقان، ويبتسم في فخر باسطا كفه على صدره: "دا بتاعي أنا!"
الحرية لحسن عبد الله
اعتقل حسن، وهو أمين اتحاد الشباب التقدمي، ومنسق شباب من أجل التغيير، وعضو حركة كفاية بشمال سيناء، من العريش فجر الخميس 2006.09.07، ورحل إلى سجن الغربينات في الإسكندرية.
بلاد السماء، شعب النار
مطار شارل ديجول في باريس جميل المنظر، سيء التصميم؛ والحركة فيه من مكان إلى آخر قريب غير ممكنة إلا بركوب الحافلات. في طابور المقهى، يفصل أفريقي ثالث بيني وبين بهاء طاهر. أسلم على الأخير، فيرحب ويسألني عن نفسي وعن ما أعمل. أخبره أنني عاطل الآن، وأنني غالبا ما أمضيت وقتي العام الأخير إما كسولا أو متطوعا في كفاية ولأغراض أخرى.
"يبقى تعرفني من كفاية؟"
"لا، أبدا، من قبل كدا"، على الرغم من أني لم أقرأ له إلا الحب في المنفى، وهذه عادتي. فأنا غالبا أعرف عن الكتاب، بدلا من أن أعرف أعمالهم هم.
يسألني عن وائل خليل، وإن كان خرج من السجن، ثم نتبادل القلق على وقفة القضاة ذلك اليوم. نتبادل القلق بينما ما يجري للشرقاوي يجري له. أجيب عن سؤاله أنني غير مسافر للدراسة، وأنني في وجهتي لأطلانطا، ثم إلى نزل في الجبال الشرقية. يتركني ليلحق بطائرته، وأنتظر أنا رحلتي.
إجراءات أمن الولايات المتحدة تبدأ من باريس. يقترب منا موظفين فرنسيين في ملابس مدنية ويبدأون معنا تحقيقا عن غرض زيارتنا، وتذاكر سفرنا، وسبب معرفتنا، ومكان إقامتنا، وعملنا، وأشياء أخرى، إلا أن منطق الحديث أنك بريء. في مطار أطلانطا، أنت مذنب، وتهمتك أنك لن تترك البلد بمجرد أن تدخلها، ولغرض مشروع مثل أن تسعى لتحسين حياتك. أترك ضابط الجوازات عالقا، فأنا لا أنفي تهمة أنني غير واضح المهنة، ولا أحاول أن أثبت أنني صالح النية أيضا. ترى ما كان يفعل إن عرف أن حكومته تصنفني كإرهابي بييئي؟ ما علينا. من أطلانطا في جورجيا إلى شارلوت في كارولينا الشمالية بالطائرة، ثم بالسيارة ثلاث ساعات إلى آشْفِل: عبر ثلاث قارات ومحيط واحد في أقل من يوم.
جدول واكر: الذي منعني من النوم
آشفل مدينة تختلف عن باقي الجنوب، فبها يعيش عدد لا بأس به من الهيبيز، ومنهم من يجتمعون مساء كل جمعة في الميدان وسط المدينة. يجلبون طبولا مختلفة، ويمضون ساعات يجربون فيها إيقاعات جماعية يرقص عليها معظم الحضور. آشفل أيضا مكان يجتمع فيه أولئك الذين يعيشون عصرا جديدا مليئا بالروحانيات وإن خلى من الأديان. "كنيسة الرب: القداسة أو الجحيم". تذكرني لافتة على كنيسة صغيرة في الطريق من النزل الذي أعيش فيه إلى آشفل أنه لا يزال الجنوب، وأن الطوائف البروتستانتية فيه لا تزال تتحارب على كسب المؤمنين.
النزل الذي أعيش فيه يقع مباشرة داخل حدود محمية غابة بِسْجَهْ، بالقرب من بلدة اسمها دِلِنْجَام. تعلن لافتة عن البلدة أثناء مروري بها صعودا ونزولا، وهي أيضا موجودة على الخريطة، إلا أنها في الواقع أصغر من أن أميز أولها من آخرها، بل هي تابعة لبلدة أخرى اسمها بَرْنَاردزفِل. هذه أكبر قليلا، فهي مربع سكني واحد طوله ضلعه مائة متر على الأكثر. يحكي عن برناردزفل أنها كانت آخر بلدات الولايات المتحدة التي تستغني عن عاملات الهواتف في وقت كانت باقي البلاد فيه تستعمل الحواسيب لتوزيع المكالمات. الحياة في النزل بسيطة جدا--على ما تكون أمريكا من بساطة، أعتقد--اعتدت على النوم في الخلاء في صحارى مصر وجبالها، لكني لم أتوقع أن تكون الغابة بهذا القدر من النشاط. حفل آثناء الليل وفي الفجر، طيور، وحشرات، وثديات صغيرة، وجدول ماؤه بارد جدا ولا يتوقف عن الهدير حتى أنه يمنع النوم العميق.
تزامن وجودي في نزل جبل النور مع اجتماع سنوي لمشروع يهدف إلى إثراء وعي المشاركين فيه بوجودهم، وبقدراتهم، وبقوة نواياهم في مزج بين روحانيات وحدة الوجود ومبادرات تنموية في بلاد مختلفة من العالم، معظمها في أفريقيا وأمريكا الجنوبية. يثري الطلبة مهاراتهم في القيادة من خلال دراسة ونقد عدد كبير من الكتب ونقاشها مع معلمين حياتيين يعملون معهم بشكل شخصي.
المكان كله في منطقة جبال العرف الأزرق، وهي جزء من جبال الأبلاش، التي تمتد بمحاذاة الساحل الشرقي من الجنوب إلى الشمال. تغطي الجبال غابة نفضية موزعة على عدد من المحميات. المنظر يشبه فلم آخر الموهيكيين الذي صور على بعد أمتار قليلة من حيث أجلس الآن، في جوار جبل متشل، أعلى قمة في الشرق. إنها بلاد تشيروكي.
صخور العرف الأزرق، أو الحائط الأزرق، كما اعتاد تشيروكي أن يسموه، من أقدم صخور العالم، ترجع إلى عصر ما قبل الكمبري. أي أنها كانت قديمة عندما ولدت الهيمالايا، وعتيقة عندما ظهرت الألب، ومنحوتة تماما عندما صعدت الروكي من ناحية الغرب. هنا صخور عمرها 1,100 مليون عام، أي أقل قليلا من ثلث عمر الأرض. النحت في جبل مستدير كجبل الأجداد لم تحدثه ثلاجات، بل كله من جراء تجوية المطر والرياح، عاما بعد عام. الجبل مملوك لشخص واحد مات قبل أن نصله ببضعة أيام، وهو ككل المساحة في الأبلاش حولنا، مربوط بشبكة من دروب المشي تخترق الجبال والهضاب والأراضي المفتوحة، وتصب معظمها في طريق الأبلاش، الذي سارت عليه التجارة بين السكان الأصليين قبل وصول المستعمرين البيض.
في العام 1828، بعد عقود قليلة من نجاح الثورة الأمريكية مقابل الإنجليز، وقبل عام واحد من اشتعال حمى الذهب الأولى في دالونيجا في جورجيا، استدارأندرو جاكسون ناحية تشيروكي منهيا مفاوضات معهم قادها منذ 1814، قبل أن يصبح رئيسا، بشأن تعويضهم عن أرضهم، وبدأت الولايات المتحدة في سياسة تهجير السكان الأصلين إلى غرب الميسيسيبي. تم ذلك على الرغم من مثاقفة معظم تشيروكي وباقي القبائل المتحضرة الخمس لما ورد من أوربا، بما فيها المسيحية وتملك العبيد السود--للتزامن، المثاقفة تعريب سمعته اليوم من حمكشة، نقلا عن كايوس نوسس--، وعلى الرغم من حكم المحكمة العليا في قضية تشيروكي ضد جورجيا لصالح الأولى. يروى أن جاكسون علق على الحكم قائلا: "لقد حكم [القاضي] جون مارشال، فلينفذ حكمه الآن!"
أولئك الرجال يبنون بيوتا كتيرة
يحفرون الأرض، ويبنون
يقطعون الشجر، ويبنون
دائما يأخذون في البناءمن ارتفاعي على الجبل
أرى السحب
السحب تبني بيوتا كثيرة في السماء
أولئك يبنون ويهدمون
وهؤلاء تبنين وتذبنمدن الرجل الأبيض
ليست جميلة كمدن السحاب
ليست كبيرة كمدن السحابخيمتي دفعتها الرياح
هي المنزل الذي أملكهمدن الرجل الأبيض--شعر للسكان الأصليين
بين 1836 و1838، حشر ما يقرب من عشرين ألف تشيروكي في مخيمات ثم هجروا من بلادهم إلى ما هو اليوم في ولاية أوكلاهوما. مات أربعة آلاف منهم في ما صاروا يعرفوه "بدرب الدموع"، ولحق بهم مئات أخرى كثيرة كمدا في المنفى. عشيرة تشيروكي الشرقية التي تعيش اليوم في كارولينا الشمالية هي خلف الألف الذين هربوا من التهجير. قبل مائة عام عاش هؤلاء في مجتمع أمومي فيه الخال أكثر الرجال تأثيرا في العائلة. اقتاتوا على الكوساء، والذرة، والفول، وسموها "الأخوات الثلاث" منذ أن وصلت الزراعة إلى نسائهم منذ ألفي عام، بالإضافة لما اصطاده الرجال منهم. حكمهم ثلاث رؤساء بثلاث حكومات: الأحمر رئيس حكومة الحرب من الشباب، والأبيض رئيس حكومة السلم من الشيوخ، والطبيب. كان للعشائر السبعة مقعدين يتشاورون فيها، واحد مفتوح والآخر مغلق، تماما كبدو سيناء؛ وكان لكل من العشائر اختصاصها: عشيرة البطاطا البرية، الفلاحون وحماة الأرض؛ عشيرة الشعر الطويل، وهم فخورون بأنفسهم ومنهم يأتي الرئيس الأبيض؛ عشيرة الغزال، الصيادون والعدائون الذين ينقلون الرسائل؛ عشيرة الصقر ذي الذيل الأحمر، وهم يصيدون الطيور ببنادق الهواء، ويحفظون الريش المقدس؛ العشيرة الزرقاء، من يحافظون على الأعشاب الطبية ويجمعونها؛ عشيرة الصبغة، أصحاب حكمة التطبيب؛ عشيرة الذئب، وهي أكبر عشيرة اليوم، وهم من أتى منهم الرئيس الأحمر ومعظم المحاربين: هؤلاء يحمون الشعب، وهم القادرون على صيد الذئب. تنظيم كهذا ورائه حياة اجتماعية معقدة، ورمزية روحية لا أجدها أقل من مبهرة. هذا شعب أخرج سيكويا، الرجل الوحيد في التاريخ الذي اخترع للغة شعبه أبجدية مقطعية من خمس وثمانين حرفا دون أن يتعلم قراءة أية لغة أخرى قبلها. في غضون بضعة أعوام، تعلمت كل تشيروكي قراءة "الأوراق المتكلمة" من الصحف أو الكتاب المقدس.
الآن تحول تشيروكي إلى العيش من وراء بيت القمار الذي شجعتهم الحكومة على إنشائه، على الرغم من منع القمار في معظم الولايات. أمضيت نصف يوم في محمية تشيروكي لم أر فيها إلا ثلاثة من السكان الأصليين: رجل وامرأة في ، وآخر خارج من باب منزله ليدخن، والباقي سياحة رخيصة.
اليوم يسمونه يوم الاستقلال.
حق الشرقاوي حقنا كلنا
"لحظات الخوف والفزع الشديد بحياتي كثيرة ولكن ليس من بينها اطلاقا هذه اللحظات التي تلت خروجي من نقابة الصحفيين يوم 25 مايو 2006 الساعة السادسة مساءا لأركب سيارة إحدي زميلاتي لتوصيلي إلى محطة القطار حتى أستقل القطار إلى الأسكندرية لرؤية أهلي بعد فترة ليست بالقصيرة – 30 يوم – خلف القضبان بسجن طرة تحقيق..."
الحركة بركة
وصل وائل خليل مؤتمر كفاية الأخير، ولمحني أجلس في الخلف. سحب كرسيا، وجلس بجواري. نظر حوله لثوان، وتنهد في أسف، ثم قال لي: "عاوزين نجيب التايهة بقى يا غربية".
بدأنا نفكر في حملات يجب أن تركز الحركة عليها وعليها فقط، حتى لو ظهرت على السطح أزمات كالعبارة أو أنفلونزا الطيور. يجب أن يكون بالإمكان إحراز مكاسب في هذه الحملات، وأن لا نركز على أهداف فوق الطاقة كـ"لا للتمديد ولا للتوريث". كنت أفكر في حملات ثلاث: البطالة، والفساد، والحريات، بينما فضل وائل أن يركز، باعتباره اشتراكيا، على قضايا كالإسكان، والخصخصة.
انطباعي أن "باعتباري اشتراكيا" هي أكثر ما يبدأ به وائل حديثه، وهو القادر فعلا على الحديث، فهو دائما يخرج من المظاهرة ليقابل اعتراض الناس الأولي، ويسمح لهم بالكلام إلى أن يصلوا بأنفسهم إلى ما يريد أن يقوله. أتخيل طبعا أن وائل هو قلب كل المفاوضات في سجن المحكوم الآن.
أعرفه، عن طريق علاء، منذ حوالي العام، بالضبط منذ ليلة كنس السيدة. الأغرب أنني أعرف علاء نفسه منذ ما يزيد عن ذلك بقليل، ففي أسبوع من العام الماضي يماثل الذي قبض فيه على علاء، دلفت مقهى صغيرا في المهندسين غرب القاهرة. المقهى الحديث الطابع، وإن لم يكن الصوت فيه عاليا جدا، يوفر اتصالا لاسلكيا بإنترنت، وهذا هو تقريبا الشيء الوحيد الجيد في المقاهي الحديثة في القاهرة. تعرفت على طاولتي بمجرد أن لمحت علاء، وشعره، وحاسوبه المحمول. طبعا. كان ذلك وقت يمكنك أن تجمع فيه كل المدونين المصريين في غرفة واحدة. وعندها، في تلك المقابلة الأولى للمدونين--التقليد الآن في مصر أن نسمي كل اجتماع للمدونين "اجتماع المدونين الأول"--، كنا لا نزال نعلق على الأخبار. في غضون أسابيع قليلة من ذلك الحين، سنصبح نحن الأخبار.
أمضينا أنا ومنال، وهي زوجة علاء وشريكته في إدارة دلو معلوماتهما، وقتا من تلك المقابلة نبشر الآخرين: مينا، ورحاب بسام، وحمكشة، ومحمد، وفي حضور مصطفى؛ نحاول أن نقنعهم بأن يتركوا بلوجر إلى عالم منصات التدوين مفتوحة المصدر كدروبال ووردبرس. تعجبت من نفسي حين أعطيت علاء كلمة مرور حسابي على بلوجر كي ينظر في حل لاستيراد التدوينات منه--معلهش يا بوب، رجعنا لبلوجر علشان نحاول نطلعك. هي مشيت كدا!
ظننت أن الأمر سينتهي عندها، وأن هذا كل شيء. اتضح لاحقا أن أمامنا عام مليء بالأحداث، من مايو إلى مايو.
بعدها بقليل، وفي 25 مايو 2005، ضرب علاء بينما كان يحاول حماية أمه، الدكتورة ليلى سويف، من البلطجية المدفوعين من الشرطة أثناء تظاهرها ضد الاستفتاء على تغيير الدستور. سرق حاسوبه المحمول، وهذا هو ما أغضبه، جدا. اعتدنا أن نضحك بعد كل مرة يسبب علاء فيها صداعا للسلطات أن الأمر كله خطأهم، فهم اختاروا المدون الخطأ كي يعبثوا معه. هم الآن لا يزالوا يعبثون معه، وإن كان بشكل أقسى مما سبق.
شهدت في صيف 2005 تحول منال وعلاء من تقنيين يساعدون النشطاء على النشر في وب، وعلى تنظيم أنفسهم باستخدام نظم لإدارة المحتوى--فهما يستضيفان ويديران مواقع كفاية، والمجموعة المصرية لمناهضة العولمة - أجيج، ومركز الدراسات الاشتراكية، ومنظمات أخرى، بالإضافة إلى عدد من المدونات. منال وعلاء أيضا عضوان مؤسسان في مجموعة مستخدمي لينكس مصر - إيجي لج--إلى مدونين مؤثرين. إن تدويناتهما، وهم الآن يدونون بالعربية بنفس قدر كتابتهم بالإنجليزية، تشكل بدايات لنقاشات عالخط، ولكن أيضا في مقابلات وجها لوجه، وفي تنويع كبير من الموضوعات. تكمن ميزة علاء ليس في قدرته على التنظير والإحاطة، ولا على التفكير المجرد أو الأفكار الجديدة، بل في قدرته على التركيب، وفي إدراك معان لما يجري حوله. إنه إحساس بسيط، ومنفتح، وملتزم بالمجتمع وبالحياة العامة؛ ساعد ذلك في مرات عديدة على إبقاء النقاش قائما، وأيضا على تجسيد الأفكار في الشارع. ترى هل جزء من ذلك الالتزام ناتج عن أنه أحيانا لا يقدر على السكوت؟
بعد 25 مايو بأسبوع، وبينما كنا نقف على سلم نقابة الصحافيين، تعجب علاء مما نفعل: نتظاهر في مكان في قلب القاهرة، ولكن ليس قريبا من مسكن أهلها، تماما وكأن الوقفة تؤكد للألفي ناشط أن كل شيء لا يزال على ما يرام. مال علاء على كتفي، وأعطاني الفكرة: "مش هنكنس عليهم السيدة بقى؟". الوضع مخز، بإمكاننا أن نطلب المدد من ام العواجز. السيدة زينب هي بنت بنت النبي، وضريحها في الميدان الذي يحمل اسمها في القاهرة في قلب أحد أكثر الأحياء كثافة. هي أيضا شخصية مركزية في الإسلام الشعبي المصري: فهي رئيسة الديوان، قاضية قضاة السماء، وآخر منجدة للمكروبين، تماما كإيزيس ثانية. وهذا ما قمنا به: ظهر إعلان المظاهرة المسجوع الذي كتبته واللافتة التي صممتها في الجرائد--شكرا لمحمد طعيمة من كفاية، وعلى إذاعة راديو الغد قبل المظاهرة. اتصل بي علاء ليعلمني أن الحملة الشعبية من أجل التغيير - الحرية الآن تحمست وستنضم. ومن خلال نورا يونس، تمكنا من الحديث مع أيمن نور الذي حضر المظاهرة لدقائق قليلة في محاولة كي يوسع منطقة نفوذه قليلا إلى الجنوب: فهو النائب عن باب الشعرية، وفتحي سرور النائب عن السيدة زينب.
أبو نور بلديات أبي وجدي، بل وأقرب. لم يخجل نور ونحن جلوس بجانبه أن يشير لمخرج الصفحة الأخيرة من صحيفته أن يضع صورتنا وتحتها أننا "شباب الغد". أثار ضحكي في مكتبه عندما رفع صوت التلفاز وطلب مننا الاقتراب كي نسمعه وهو يهمس هربا من أجهزة التنصت المزروعة، وأثار أيضا إعجابي وأنا أترجم في مقابلة تليفزيونية بذهنه الحاضر وصياغته الملائمة لمواقفه العلنية. "معقولة تنتخب أيمن نور! انت مش عارف تاريخه؟" أسهل علي أن يكون شخص كنور في موقع السلطة: ننتخب شخصا مثله ثم نعمل فورا على معارضته. كلام صحيح، لكنه في غير محله الآن بعد عام.
وائل خليل محبوس على ذمة التحقيق. علاء سيف محبوس على ذمة التحقيق. أيمن نور، وهو المرشح السابق في انتخابات الرئاسة، سجين حالي ليتم خمس سنين، وهو أيضا محروم من مباشرة حقوقه السياسية بعد خروجه.
منذ اختطافه، نقوم بحملة في أماكن كثيرة من العالم من أجل الإفراج عن علاء. بغض النظر عن أن علاء هو أقرب المعتقلين إلى، فلا شك عندي أنه أسهل من يمكن للصحافيين الكتابة عنه، نظرا لوجوده في قلب شبكات من المدونين، والعاملين في مجالات حرية المعلومات، والبرمجيات الحرة، وارتباط تقنيات المعلومات بالتنمية، وأيضا لأنه ببساطة، أكثر من أجرى معه الإعلام مقابلات العام الماضي من بين المعتقلين. أقصد دائما في حديثي مع الصحافة والإذاعة عن الحملة أن أعود إلى أن علاء معتقل مع خمسة مدونين آخرين، صاروا الآن اثنين والأخرى هي أسماء علي، واحدة من أربعة نساء. ستة من بين بضع وخمسين معتقلا من المعارضة المدنية من المدونين--مقارنة بالمئات من الإخوان المسلمين. الحقيقة الأهم في هذا كله أنه بالرغم من أن المدونين المصريين يتضاعفون مرة كل بضعة أشهر، إلا أن العدد لا يزال صغيرا تعدى الألف الأيام الماضية فقط، وأنه لأيام طويلة ظل ستة مدونين من ألف رهن الاعتقال.
المقابلات الصحافية مع منال، ومع ساندمنكي، ومعي نتيجة لعمل شبكة من المدونين في العالم. الحملة بدأت عضويا بتدوينات من مصر، ولافتات، وبعد أن التقطت أصوات عالمية عالخط الخبر، بدأت تظهر جهود من أماكن أخرى من العالم: لافتات من مصطفى في لبنان، وعريضة لمسئولين مصريين وأمريكيين من همسة في كامبردج، وصفحة عن علاء على وكيبيديا من بيتر إس في فلوريدا، وقنبلة جوجل من هيثم صباح، وفلاش من سامي بن غربية التونسي اللاجئ في هولندا وفي مجمع منال وعلاء، وفيديو من أندي كارفن، ووسم على يجمع كل التدوينات وصفحات وب التي نقابلها عن الموضوع على ديلشوس بدأتها أنا، وساعد على وسم الصفحات سقراطة، ودرش، ومصطفى، وهيثم، وشهدي نجيب سرور--أول سجين إنترنت في مصر--، وآخرين لا أعرفهم، بالإضافة إلى وسم آخر على تكنوراتي، وخريطة بأماكن المتضامنين مع علاء على فرابر أعدها جون جارفنكل. جمع كل هذا في مدونة واحدة، وأضيف لها طبعا تدوينة علاء من السجن. قنبلة جوجل تعتمد على أن تربط العديد من الصفحات على وب إلى مدونة الحرية لعلاء في كل مرة تذكر فيها كلمة Egypt، وبالتالي تظهر المدونة في أعلى نتائج البحث عن كلمة Egypt في محرك بحث كجوجل، مما يزيد من تعريف الناس بما يجري في Egypt، وأن Egypt فيها سجناء لأنهم يعبرون بشكل سلمي عن رغبتهم في قضاء مستقل.
نتيجة للحملة، غطت الصحافة والإذاعات والقنوات الأجنبية--وهي ملاذنا الأخير في ظل تعسف الأنظمة العربية ودعم الحكومات الغربية لها، كما يقول أحمد سيف الإسلام المحامي--اعتقال علاء بشكل لا بأس به: بي.بي.سي، وسي.إن.إن، وواشنطن بوست، وإم.إس.إن.بي.سي، والجارديان، وكرستيان ساينس مونيتور، وبي.بي.إس، ودير شبيجل، ودويتشة فيلله، وغيرها، ناهيك عن ردود فعل من منظمات كهيومان رايتس ووتش. بعد حملة كهذه، قررت أصوات عالمية عالخط أن تقوم بدور أكبر في الدعوة للمساعدة في تحرير المدونين المعتقلين من مختلف أنحاء العالم.

حاولت أن أبدأ شيئا بمثل هذا الحجم لوائل خليل، فوائل أيضا مرتبط بشبكة كبيرة من الناشطين في العالم بسبب انتمائه الاشتراكي، وبسبب عمله في مناهضة العولمة. أصدر تحالف حق العودة للفلسطينيين بيانا يطالب فيه بإطلاق سراح وائل خليل، إلا أن هذا كل شيء. للأسف لم أجد مدونا واحدا متحمسا وقادرا على العمل معي على بدء حملة مماثلة كساندمنكي، الذي ساعد أكثر من أي شخص آخر على إطلاق حملة كهذه.
إن كان لا بد من أن يصبح منا معتقلين، فعلى الأقل لنستفيد من وجودهم في المعتقل طالما استمر. يفترض بكيان ككفاية أن يصبح مركز نشاط كهذا، فهي باعتبارها حركة ذات صيت إعلامي كبير، تستطيع إبراز القضايا أكثر من باقي الكيانات. حاولت في الأسابيع التي سبقت اعتقال مالك أن أكون أكثر إيجابية. بدأت من افتراض أن كفاية كيان مفتوح، أو على الأقل ينبغي عليها أن تكون كذلك: كيانا يمكن للجميع أن يدخله ويؤثر في تشكيله، ولا زلت أظن أن هذا أمر مطلوب، فمن غير المفيد أن تظل الحركة بلا تنظيم كما هو جار الآن، بالرغم من نجاحها في اختيار اسم قوي والترويج له. من غير المفيد أيضا أن تظل الحركة تسحب إلى الفعل من تنظيمات أخرى وأفراد. افترضت أن عملي على مساعدة كفاية على تطوير موقع لهم يقوم بدور آخر بالإضافة إلى استعراض الصحافة--وهو دور مطلوب وبه مساحة للنمو. لكفاية العديد من المتعاطفين والراغبين في لعب دور، إلا أن الشكل الحالي لسير الأمور لا يسمح لهؤلاء بالمساهمة في تشكيل الحركة.
إن تحويل أعضاء كفاية من مستهلكين للمحتوى على الموقع إلى منتجين له يسمح بأصوات أكثر، مما يقلل من مركزية الحركة، ويعطيها حيوية أكبر كحيوية المدونات التي شاركت بشكل جيد في حراك العام الماضي. بإمكان كفاية أن تختار تبني الصحافة الشعبية، حيث نكتب كلنا أخبارنا لأنفسنا، ونصور عن الفساد من حولنا نحن المواطنين. بإمكاننا أن نكتب أدلة عملية للتصرف في حالات الطوارئ، كالاعتقال مثلا؛ أو لتنظيم الفعاليات--كما حدث على المدونات في اعتصام التضامن مع القضاة في ميدان التحرير--، أو حتى لتصميم الملصقات. بإمكاننا إنشاء ملفات عن قضايا أو أفراد بعينهم ممكن يسيئوا استغلال سلطاتهم. بإمكاننا أن نعرف عشرين ألف زائر للموقع في اليوم بحقوقهم وكيفية العمل على إحرازها، وأن نجذبهم لذلك بخطاب أكثر جاذبية، وبتقديم كل هذا وأكثر وسط إعلانات للوظائف، وأين تذهب هذا المساء، بل ورنات موبايل ولوجوهات إن لزم.
الأمر طبعا يتطلب التفكير في بعض الأمور، كالعضوية وتنظيمها، والعمل ومركزيته، والاستعداد لتجريب أساليب مختلفة. الحركة بركة.

مالك، ومحمد عادل، وثلاثة نشطاء: إفراج
أمرت نيابة أمن الدولة بالإفراج عن مالك مصطفى، ومحمد عادل، وأكرم الإيراني، ومحمد فوزي، ومحمد عبد اللطيف. هم الآن في طريق العودة إلى سجن طرة، وكما تم مع من أفرج عنهم منذ يومين، قد ينقلون بين عدد من الأقسام، وربما أمن الدولة، وفي الغالب يفرج عنهم بعدها من محال إقامتهم. سمعت أن خلافات حادة حدثت بين النيابة وبين ساهر جاد وبهاء صابر.
منذ حوالي الساعة فقط، رأيت إشارة لفلم تسجيلي عن المدونين المصريين من النشطاء، وفيها لقطة لمالك وهو يوزع المنشورات على ضباط شرطة شاب، وابتسمت. هو بلا شك أكثرنا حماسا، وأعتقد أيضا أنه أكثر من تطور فينا في الشهور القليلة الماضية. هذا واحد أعرفه منذ الخريف الماضي. الفلم يعرض منتصف ليلة الجمعة.
قضاء وقهر
مالك مصطفى: الصورة للراهب الزرواني، تحت رخصة العامة المبدعين.
الرابعة والنصف مساء الثلاثاء، يقول لنا مالك أنه يشعر بالمسئولية عن اعتقال شرقاوي، صاحب صوت حر، لأن مالكا أيقظه كي يبيت مكانه، فكانت النتيجة أن اعتقل شرقاوي. مالك من الإسكندرية، وقد صارت له ليال أربعة يبيتها في الاعتصام.
الخامسة والنصف مساء الثلاثاء، لا أنتبه لكل التحذيرات التي تصب علي بأن صبر الأمن قارب على النفاذ. أتذكر نصيحة/شبه-أمر هاني عنان بأن لا أطيل المكوث في الاعتصام تلك الليلة، وأنوي الذهاب من الحادية عشرة مساء إلى ما بعد منتصف الليل بقليل، كي أستعد للسفر في الصباح التالي.
السادسة والنصف مساء الثلاثاء، يصلني خبر اعتقال كمال خليل، وابراهيم الصحاري، ومالك.
وجهت لدفعتي المعتقلين تهم متنوعة، تبدأ من إشغال الطريق، مرورا بالاعتداء على موظفين عمومين أثناء تأدية وظائفهم، انتهاء بإهانة رئيس الجمهورية، وأمر بحبس الجميع خمسة عشر يوما على ذمة التحقيق، وهم حاليا في طرة. عددهم كبير، وهو شيء مطمئن لهم، وعلى حسب رسالة منهم، فإن حالتهم عموما لا بأس بها. يجري الآن البحث عن الدفعة الثالثة من الذين اعتقلوا أمس.
5000 جندي أمن مركزي حول نادي القضاة
يحاصرالأمن المركزي الآن مربع نادي القضاة ودار القضاء العالي ونقابتي الصحافيين والمحامين وسط القاهرة، ويضرب، ويسحل، ويعتقل الناشطين العابرين بالمكان. تأكد إلى الآن اعتقال كمال خليل، وابراهيم الصحاري، ومالك. أعرف أن يحيى مجاهد كان مع مالك. هاتفني وائل عباس المحاصر داخل نقابة الصحافيين.
اعتقال معتصمين من أمام نادي القضاة
اعتقل الأمن مواطنين مصريين من أمام اعتصامهم على الرصيف أمام نادي القضاة بوسط القاهرة. يوازي اعتصام الرصيف اعتصاما آخرا يقوم به القضاة في ناديهم احتجاجا على رفض السلطة التنفيذية ممثلة في المجلس الأعلى للقضاء القانون الجديد للسلطة القضائية. من ضمن المعتقلين القاضي محمود حمزة.أخلى الأمن مكان الاعتصام من الخيام وما افترش به المعتصمون الرصيف تماما، واختفوا بعدها من المنطقة حول دار القضاء العالي. السيارات التي تحمل المعتقلين تقف الآن في ميدان عابدين، تحت الحراسة. يحاول مالك، وأيوب المصري، وسلمى سعيد الذهاب إلى الميدان، مع آخرين.
المعتقلون:
- المستشار محمود حمزة
- يحيى القزاز
- محمد الشرقاوي
- أحمد صلاح
- أحمد ماهر
- حمادة فيصل
- عماد فريد
- عبد الرازق بدر محمد
- حسام مؤنس
- أحمد حمزة
- أحمد الدروبي
- محمد رشدي
- عادل فوزي توفيق
- باسم
- وشاب آخر من دمياط
منتصف ليل المعارضة
"الأمير الذي يعاديه جميع العامة لن يستطيع توفير الأمن لنفسه، وكلما زادت قسوته كلما ضعف نظام حكمه"--نقولا ميكيافيللي
المعارضة الآن كلها خارج مجلس الشعب، ومعظم مؤيديها ومن يمكن أن يؤيدها غير مسجل في الجداول الانتخابية. الجداول الانتخابية ذاتها غير ضرورية. سمعت من أكثر من ناشط في كفاية وشباب من أجل التغيير انتقادا لعمل الحركة في الفترة الماضية، ومنهم من صار يرى أن التغيير لن يأتي بشكل سلمي. قامت الحركة على أساس أن المظاهرات والاحتجاجات ستكبر إلى أن تصل لحجم مئات قليلة من الألوف، وعندها ينهار النظام من رأسه، أي أن العائلة الحاكمة وقمة النظام سيلوذون بالفرار خوفا أو تسليما بوجهة نظر المعارضة، غير أن الحقيقة في نظري ليست كذلك: النظام لن يرحل طواعية، صحيح. إلا أن العنف لن يغير سوى اسم النظام، وليس نوعه، وهو على كل أسلوب يسمح للطغاة بالتميز.
النظام المستبد عموما قوي في حال عدم احتياجه للقمع بكثرة، أي أن أقوى نظام استبدادي هو ذلك الذي لا يعارضه الناس. ما نراه حولنا من مقاومة النظام لا يحسب دليلا على قوته. لذا، فأهم ما يقوض سلطة النظام هو التحدي السياسي الواسع من المواطنين ومؤسساتهم، ذلك أن الحكام سلطاتهم غير ذاتية، بل هم يعتمدون أساسا على تعاون الأفراد والمجتمع.
حبر الانتخابات يختفي أسرع هذه المرة
في الللية السابقة للانتخابات، دخلت في حوار مع أخي عن إن كان يجدر بمرشحي الإخوان المسلمين الحصول على صوتي. عثرت أثناء الحوار على موقع اتحرك على قائمة بمرشحي المعارضة في الدوائر المختلفة. كان ظاهرا لي أن القائمة قديمة، فبعض الأسماء التي حضرت مؤتمراتها الانتخابية--كمال أبو عيطة في بولاق الدكرور والعمرانية، وكمال خليل في امبابة--غير مذكورة. وجدت في دائرتي مرشحين معارضين: عادل وديع فلسطين من التجمع لمقعد الفئات، ومحمد خضري عوض من الوفد لمقعد العمال.
صباح يوم الانتخابات استقبلني شباب الإخوان المسلمين والحزب الوطني أمام المقر الانتخابي. واضح أن المنافسة محصورة بين مرشحيهما--في مقعدالفئات مكارم الديري عن الإخوان، ومصطفى السلاب عن الوطني، وفوزي السيد مستقلا عن الوطني--ابتسم الإخواني الواقف على الرصيف عندما أجبت على "السلام عليكم" بـ"عيب. الدعاية الانتخابية انتهت". بحثت عن اسمي. دلفت إلى اللجنة. الجالس على الكرسي يكبرني ببضعة أعوام. فكرت في الطابور أن أخبره بالدعاية الانتخابية على باب المدرسة وداخلها، ولكنه بادرني بالسؤال عن بطاقة انتخابي وتحقيق شخصيتي. لم أفاجئ خلف الستار أن وديع فلسطين ليس على القائمة. أؤشر أمام اسم المعارض الآخر، وأنتهي مصوتا لعامل آخر اسمه حنا. المسيحيون لا يرشحهم الحزب الوطني، ولا الإخوان.
الصندوق زجاجي الجانب. الحبر لن يزول اليوم على الأقل--مصر الجديدة!--في طريقي خارجا، يصيح في واحد داخل باب المدرسة "فوزي خلاص؟". ألتفت وأبدأ في ترديد كل ما أعرفه عن خمس وعشرين مترا حول المقر الانتخابي ممنوع فيها الدعاية، وعن أشياء أخرى وأنا أراقب العرق المتزايد على جبينه. ارتجف الرجل تماما عندما انتهيت بسؤاله "انت عارف الكلام ده ولا لأ؟"، وأجاب أنه "ع ع عععارف. عارف". أومأ موافقا عندما أخبرته أن مكان الدعاية الانتخابية خارج المدرسة. استدرت وتابعت طريقي إلى الخارج.
إلا أن شابا ناداني وأنا أعبر الطريق، وتبعه آخر، ثم ثالث. أخذ الأول يهددني لأنني تحدثت بشكل "وحش مع الراجل ده. الراجل ده يبقى عمنا كلنا"، بينما أمسك الآخر بذراعي. أفلت قبضة الثاني وأخبرت الأول أن يتبعني إلى الداخل، إلا أن ثالثهم--كلهم يعلقون على أعناقهم بطاقات فريق فوزي السيد--ناداه بأن عليهم الذهاب، وأنه كفى.
المشهد أمام مدرسة أبو بكر الصديق في شارع المطار في امبابة يتختلف كثيرا عنه أمام مدرسة الخلفاء في شارع الخليفة المأمون في مصر الجديدة. يختلط ضجيج خمس سيارات لا بد أنها تصرخ بأسماء المرشحين وأشياء عنهم بمئات ممن يقفون للفرجة وعشرات يوزعون دعايا المرشحين من كل الألوان مباشرة أمام باب المدرسة. وسط كل هذه الأصوات والحركة استطعت تمييز الورقة الدوارة وهي تنتقل من امرأة إلى المشرف على التزوير إلى امرأة أخرى. أستبشر في المقر الانتخابي لكمال عندما أسمع أن الإخوان المسلمين قرروا منح أصواتهم في امبابة له، وأقابل عم علي.
علي أمين السيد حمد صعيدي من قنا أتم السبعين من عمره، مسجل في الجداول الانتخابية في امبابة. أدلى بصوته آخر مرة للرئيس جمال عبد الناصر، وها هو يعود الآن لينتخب كمال خليل. وقف الرجل في المقر حاملا بطاقته الشخصية رقم 23505082700376، وشرح لي حالته: فقد عم علي شهادته الانتخابية الحمراء خلال السنين، ورفض قسم الشرطة استخراج بدل فاقد لها. "أنا راجل أمي، لكني مش جاهل، وحقي كده مهضوم. باين علي إني مواطن، والمفروض بأي لجنة أنتخب بالرقم القومي". علي أمين السيد حمد ليس وحده، ففي الداخل كان يجلس مرشحان سابقان في انتخابات المجلس المحلي في امبابة، أي أنهم لا بد مسجلون، إلا أن أسمائهم رفعت من الكشوف الانتخابية، وبالتالي لم يسمح لهم بالتصويت. يحاول علاء الحصول على الجداول الانتخابية من مرشحي المعارضة في مختلف الدوائر، إلا أن هذا الإجراء لن يفيد إلا في كشف حجم التلاعب فيها. الحل، كما يدرك عم علي، هو السماح بانتخاب أي شخص يحمل "البطاقة الكمبيوتر".
يجاهد اسماعيل هلال مشرح الحزب الوطني في امبابة بأصوات ألفي شخص يحضرهم من الإسماعيلية كل موسم. استخرج هلال لهؤلاء بطاقات شخصية ثانية على عناوين وهمية في امبابة، وبعدها بطاقات انتخابية. محمد أبو العنين يقوم بشيء مماثل في دائرة الجيزة، وإن لم يكن بنفس حرفية هلال. حاول أبو العنين أن يشحن ثلاثة آلاف من السويس والشرقية في سيارات منها ما تملكه محافظة الجيزة كي يصوتوا له ببطاقات انتخابية مستخرجة في الجيزة. لم يكن باستطاعة القاضي المشرف على تلك اللجنة إلا اتباع الإجراء القانوني، فالبطاقات سليمة وإن كان أصحابها من بلاد أخرى. على العموم قام الرجل بمساعدة المندوبين المرتبكين واتصل بباقي المرشحين. بعد وصولهم هدد محمد الأشقر مرشح التغيير ومستقلين اثنين (أحمدمصطفى وسيدة أخرى) والقليل من مندوبيهم بضرب مئات العمال الذين أسرعوا بالفرار من مدرسة صلاح الدين بالجيزة، فهم غير مهتمين بالتصويت لأبو العنين أصلا، بل إن علاء سمع أحدهم يقول: "طب ما احنا ممكن ننتخب اللي عايزينه، ومحدش حايعرف". نقل نفوذ أبي العينين ثمان صناديق من ثمان مدارس في دائرة الجيزة إلى أرض خراب في العمرانية المجاورة. أبو العنين بتواجده الدائم في الدائرة غير محتاج للتزوير أصلا--الطبع غلاب--، على عكس اسماعيل هلال في امبابة، الذي برغم الآلاف من السوايسة والشراقوة، وأحداث ذلك المساء، فإنه لم يحصل إلا على الإعادة.
تركنا، علاء وأنا، محمود توفيق الذي استطاع تسجيل كل أحداث الجيزة بالصوت، وذهبنا إلى منزل علاء ظانين أن اليوم انتهى. إلا أن مكالمة أخبرتنا أن كمال خليل طرد من لجنة الفرز حين اعترض على فتح كل الصناديق في آن واحد وبدء الفرز قبل وصول المرشحين ومندوبيهم. وصلنا أمام لجنة الفرز بمدرسة باحثة البادية في امبابة لنجد تجمعا من مئات من أهل المنطقة والمؤيدين لكمال خليل يحول بينهم وبين باب المدرسة عشرات من الأمن المركزي. هتف الجمع ضد التزوير الذي يحدث بالداخل، وانتقل نفر منهم إلى قسم إمبابة حيث وافق كمال خليل على طعن قدم سابقا من مرشح آخر. كان ذلك منتصف الليل، منتصف الليل للمعارضة كلها.
ما يحكمش
نجلس أنا ومحمود الساعة الثالثة صباحا خارج مطعم فطير في شارع التحرير. تصل لأذناي كلمات صاحب المحل وجارته الست هدى الجالسان على الطاولة بجانبنا: "كفاية"؛ "أيمن نور". يقرر محمود أن نسألهما إن كان بإمكاننا الانضمام إليهما. بدأنا الحديث من أن كل شيء عائد إلى وضعه الطبيعي بعد الانتخابات، وانتهينا إلى أن شيئا ما يحدث، وإيدي على كتفك. أخبرناهما عن مظاهرة مساء هذا اليوم قبل أن نودعهما ونوقف سيارة أجرة.
ننزل من سيارة أجرة أخرى السادسة مساء في ميدان طلعت حرب، ومعنا علاء. نلاحظ عدم وجود أمن مرة أخرى. يسألني علاء: "مسيرة تاني؟"، إلا أن الحشد ينزل إلى الشارع من جراء نفسه قبل أن ننجح في العثور على من نكلمه من شباب التغيير. يتحول العشرات الواقفين على رصيف مدبولي إلى مئات في ميدان التحرير، ثم الألوف في شوارع وسط البلد. أبحث عن الست هدى أثناء مرورنا أمام المحل، إلا أنها تجدني قبل أن أجدها. تسلم بحرارة، وتتلفظ بكلمات لا أسمعها من ضجيج المظاهرة، ثم تختفي وسط الجموع.
يذكر المسح السكاني الصحي - مصر 2000، والصادر عن المجلس القومي للسكان بتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، أن نسبة من هم فوق سن الثامنة عشرة الآن، أي في سن الممارسة السياسية، تبلغ 65.30%. إذا قبلنا تقدير سكان مصر يوم 30 يونيو 2005 بـ69,795,950 نسمة، وهو تقدير مبني على سلسلة من تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء--التي هي دائما أقل تقديرات عدد السكان، وبالتالي تعطي نسبة أكبر لعدد المشاركين في الانتخابات الأخيرة--نخرج بأن عدد من هم في سن الممارسة السياسية يبلغ 45,576,755 مصريا ومصرية.
تزعم وزارة الداخلية--ومؤخرا لجنة الانتخابات الرئاسية التي هتف المتظاهرون ببطلانها وبطلان رئيسها المستشار ممدوح مرعي--أن وصل إلى 31,826,284 ناخبا، أي بنسبة 68.8% ممن في سن الممارسة السياسية. إذا أخذنا من دفعوا بأنفسهم للتصويت مقياسا لتقدير حجم شعبية مبارك ونور بين المصريين، نجد أن أصوات مبارك الـ6,316,784 تعني أنه يحظى بتأييد 13,9% من المصريين كحد أقصى، بينما يؤيد نور 540,405 بنسبة 1.19% على الأقل. أي أنه بعدم أخذ التزوير الذي يتم دائما في صالح مبارك، فإن حجم شعبيته لا يزيد إلا 11.6 مرة على شعبية نور. يبقى أن نذكر أن نتائج الانتخابات الأخيرة المأخوذة عن الجزيرة تتعارض فيها الأرقام مع النسب.
واقعيا، ينخفض الفرق بين حجم شعبيتي مبارك ونور كثيرا في وجود تقديرات سكانية أخرى، وفي وجود عملية انتخابية أكثر سلامة وشفافية، وفي عدم وجود حالة الطوارئ. بعيدا عن نور ومصداقيته وما حوله من أسئلة تنفر عنه الكثير من طوائف المعارضة، يبدو الواقع أن حجم مؤيدي النظام في مصر ليس بالغ الكبر مقارنة بحجم معارضيه، وأن الغالبية الساحقة من المصريين، حوالي 84%، يقفون في الأعم معارضين للنظام والمعارضة معا، ثم معارضين للنظام فقط، ثم مؤيدين صامتين للنظام ومعارضين صامتين للمعارضة.
الأربعاء الماضي أدليت بصوتي في الانتخابات صباحا، وراقبتها في الضحى، ثم هتفت ببطلانها باقي النهار. بعد زيادة الاهتمام بالانتخابات في مصر، يمكن للمصريين أن ينشطوا في هذه الاتجاهات الثلاثة: حث الناخبين المسجلين على المشاركة في انتخابات مجلس الشعب القادمة التي تحل في نوفمبر ولن يكون بوسع غير المسجلين استخراج بطاقات، وسيضطرون للانتظار حتى انتخابات مجلس الشورى والمحليات التي تليها. إذا صح القيد التلقائي بدءا من مواليد 1982 الذين بلغوا الثامنة عشرة وقت انتخابات 2000 التشريعية، يصبح لدينا نحو الـ15% من الناخبين (6,820,137 شابة وشاب) بإمكانهم الإصرار على الانتخاب ببطاقات الرقم القومي. الاتجاه الثاني هو زيادة رقابة المجتمع المدني، ناهيك عن مندوبي مرشحي الأحزاب--رفض حزب الغد لقلة حكمته قبول تطوع غير أعضائه كي يصبحوا مندوبين عن أيمن نور في الانتخابات الأخيرة.--مطلوب أخيرا إصلاح النظام الانتخابي برمته بدءا من إشراف القضاة الجالسين فقط، مرورا بحالة الطوارئ والحريات، ونهاية ببديل يستخدم تقنيات أكثر حداثة.















